تصدر عن شركة الإصلاح للصحافة والنشر المحدودة  

 

صحيفة يومية سياسية مستقلة  

اسسها إدريس حسن عام 2005 م

إتصل بناالارشيفالإعلاناتمجتمع الوحدةرئيس التحريرعن الوحدةالرئيسية

-

   
 

 
بلا رتوش
 
إضاءة
 
سطر جديد
 

كلام رجال

 
وجهة نظر
 
بعبارة أخرى
 
حتى متى
 
واقع إقتصادي
 
زمان مثل هذا
 
رؤى
 
طق حنك
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مواقع سودانية

الفضائية السودانية
وكالة سونا للأنباء
 الإذاعة والتلفزيون
أغاني سودانية

شئون المغتربين

كوم نس
 
 
 
للأستفسار و طلب معلومات يرجى مراسلتنا على العنوان التالى
info@alwahada.com
 
 

 

ثقافية

 

 

مقطع

..لم يبق اختيار

..سقط المُهرُ .. من الاعياء

..وانحلت سيورالعربة

..ضاقت الدائرة السوداء حول الرقبة

..صدرنا يلمسه السيفُ

!!..وفى الظهر الجدار

 

المشكاة أول مجلة عربية للآثار الإسلامية 

صدر عن المجلس الأعلى للآثار، المجلد الأول من المجلة العلمية الخاصة بالآثار الإسلامية والتي تحمل اسم "مشكاة". تتناول في صفحاتها جوانب مختلفة للفنون والآثار الإسلامية بأقلام نخبة من الأساتذة والباحثين في هذا المضمار، وتعتمد فلسفة المجلة على تناول علم الآثار الإسلامية بمفهوم واسع يتضمن نواحي مختلفة للحضارة الإسلامية في مجالات عدة من عمارة وفنون وتصوير وعملات ومتاحف…وغيرها.

يرأس تحرير المجلة الدكتور زاهي حواس الأمين العام للمجلس العلى للآثار الإسلامية، وسكرتيرها الدكتور خالد عزب مدير مركز الإعلام بمكتبة الإسكندرية، وقد فُتحَ باب النشر في المجلة للباحثين المصريين والعرب والأجانب حرصًا على إثراء المكتبة العربية بأبحاث أبنائها والمولعين بها من الأجانب. فقد تضمن الصفحات الأولى الإرشادات العامة لتقديم المقالات. يتضمن المجلد الأول تقرير عن حفائر اليابانيين في ميناء الطور القديم بسيناء، وتقرير عن حفائر البعثة الفرنسية في الإسكندرية. أما أبحاث المجلة فقد تم  من خلالها تناول جوانب مختلفة من معالم تاريخ الحضارة الإسلامية.

ويحمل غلاف المجلد عنوان المجلة كتابة وصورة، حيث تتصدر مشكاة السلطان حسن المحفوظة بمتحف مكتبة الإسكندرية غلاف المجلة. وقد استهل الدكتور زاهي حواس المجلة بمقدمة قصيرة يبرز فيها أهمية المجلة في ترسيخ مرحلة جديدة في تاريخ المجلس الأعلى للآثار يعزز من خلالها دوره كمؤسسة علمية تساهم في الارتقاء بعلم الآثار في مصر والوطن والعربي وفي إثراء المكتبة الثقافية لعاشقي الآثار الإسلامية ودارسيها. وقام بإهداء العدد الأول إلى العالم الجليل عبد الرءوف علي يوسف الذي يعد من أبرز خبراء الفنون الإسلامية تقديرًا لجهوده الرائعة في تاريخ المجلس الأعلى للآثار.

 ومن أبرز الأبحاث التي ضمتها صفحات المجلد "رمزية مقر الحكم والتحول السياسي في العالم الإسلامي" للدكتور خالد عزب، تناول فيه الُسنة التي سنها  الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم عندما اتخذ المسجد الجامع بالمدينة المنورة مقرًا لإدارة أمور الدولة وترتيب شئونها، وقد كان لمجاورة المسجد لدار الرسول أثره الواضح في تخطيط المدن الإسلامية الأولى كالبصرة سنة 14هـ، والكوفة سنة 17هـ، والفسطاط سنة 21هـ، والقيروان سنة 50هـ. فدائمًا كانت دار الإمارة تلاصق المسجد الجامع للمدينة. تعبيرًا عن ارتباط مركز الحكم والإدارة بالكيان الاجتماعي للمدينة وتأكيدًا على دعائم الثقة المتبادلة بين الولاة والشعب. ولم يكن تحصين المدينة من الأمور الأساسية في تخطيطها. بل كان بناء المسجد الجامع هو أولى اللبنات التي توضع في تخطيط المدينة الإسلامية يليه دار الإمارة التي تميزت ببساطتها في فترة الخلفاء الراشدين. وكانت فكرة تحصين المدن الإسلامية هو أمر تفرضه الظروف السياسية، فالرسول الكريم لم يبدأ في تحصين المدينة المنورة عقب هجرته إليها بل اهتم ببناء الكيان الاجتماعي للمسلمين حتى دعت الضرورة إلى حفر الخندق بمشاورة من سليمان الفارسي لحماية المدينة من خطر الهجوم المفاجئ. وعلى هذا الأساس قامت المدن الإسلامية الأولى فلم تكن تحيط بها أسوار ولا تغلق عليها أبواب لحمايتها. ويتناول الباحث بالدراسة والتحليل العوامل والظروف السياسية التي دعت إلى تحصين المدن الإسلامية وظهور المدن الملكية المحصنة، والمدن ذات الطابع الإداري والاقتصادي.

 

قصة قصيرة

ما الذي أفعله في مدينة أنتِ لست فيها؟ 

 نصرت مردان

ما الذي أفعله في مدينة أنتِ لستِ فيها، حتى لو كانت نهاراته أليفة،ونهره يمشي في مجراه كتلميذ مهذب في طريقه إلى المدرسة؟

ما الذي افعله في مدينة، يفتشون في بواباتها عنكِ في قلبي كمنشور سري، ويمدون أيديهم إلى طفولتي المستقرة في أعمق نقطة من ذاتي؟

ما الذي أفعله في مدينة، حياتي فيها مرتبط بصك غفران أو إنصاف همجي لم يعد في قلبه مكان للحب؟

ما الذي أفعله في مدينة لا تنتظريني في غرف أحد فنادقها، تنتظريني بلهفة بعد سنوات الفراق القسري؟.. ما الذي أفعله في مدينة لا تطلين منها على وحدتي كقمر منير في الليل، وكشمس الضحى في ساحاتها وشوارعها؟

ما الذي افعله في مدينة جرفوا فيها كل أحلامي، وألقوا بقصيدتي الأولى في صندوق النفايات، مدينة ودعتني شابا، وتنتظر إيابي كهلا محطم الأحلام؟

ما الذي افعله في مدينة مات فيها الأصدقاء والشعراء، وأصبح فيها آخرون على مشارف النهاية؟

ما الذي افعله في مدينة ألبسوك فيها الحجاب، وغطوا نور عينيك الجميلتين بالظلام؟

ما الذي أفعله في مدينة يفتح فيها لي باب بيتي، غريب، لم أره ولم يرني، محتلا كل أركان الغرفة التي قبلتك فيها أول مرة، ونحن نرتعش من اللهفة، بعد لقاء شفتينا في لقاء فيه كل سذاجة القبلة الأولى، ظل فيه القلب يهفو وينبض وينظر إلى الحياة من خلف ستار وردي. غرفة تعاهدنا فيها على الوفاء، ورددنا لبعضنا بإخلاص وهمس وقبل " زوجتك نفسي..وأنا قبلت منكِ الزواج "؟

كيف أفهم هذا الغريب، أن أبي الطيب كان يجلس وحيدا في هذه الصالة ويستمع إلى أخبار العالم من الراديو؟

كيف افهمه أن شجرة التوت التي يقف تحتها، غرستها بيدي، واحتضنتك في ظلها، في باحة بيتنا في نهار تمنيت أن لا ينتهي أبدا؟

ماذا أفعل في مدينة، تمر من سمائها الطائرات بدل أسراب السنونو، وتمتليء شوارعها التي طالما ذرعناها معا، بالجثث، ويعشش في زواياها الخوف والموت؟

ماذا أفعل في مدينة تغتال الشعر والشعراء، والحب والمحبين، مدينة تمنع تجوال العشاق، وتمنع الرغبة واللهفة، مدينة تخاف فيها العصافير من البشر، والبشر من البشر؟

ما الذي افعله في مدينة أنتِ لست فيها؟

 

أمثال باللهجة العامية السودانية

* ابلم مو شقي شقي البتكلم معاه

الابلم هو الذى لا يفهم و لا يفهم فهذا الابلم لا يتعب فى محادثته وانما يتعب محادثه فى حالتى الفهم والتفهيم وتفهيمه صعب لضعف عقله

*بركة الكلام في قلته

يعنى الكلام أحسنه ما قل ودل

*الجاياك ما بتختاك

المقدر لك لابد أن يصيبك

 

قصيدة

فى الغربة

صلاح أحمد إبراهيم

هل يوماً ذقت هوان اللون

ورأيت الناس إليك يشيرون، وينادون:

العبدُ الأسود؟

هل يوماً رحت تراقب لعب الصبية فى لهفة

وحنان

فاذا أوشكت تصيح بقلب ممتلئ رأفة

ما أبدع عفرتة الصبيان!

رأوك فهبوا خلفك بالزفة:

عبد أسود

عبد أسود

عبد أسود..؟

هل يوماً ذقت الجوع مع الغربة

والنوم على الأرض الرطبة

الأرض العارية الصلبة

تتوسد ثنى الساعد فى البرد الملعون

أنّى طوفت تثير شكوك عيون

تتسمع همس القوم، ترى غمز النسوان

وبحد بنان

يتغور جرحك فى القلب المطعون

تتحمل لون إهاب ناب كالسبّه

تتلوى فى جنبيك أحاسيس الإنسان

تصيح بقلب مختنق غصان:

وا ذل الأسود فى الغربة

فى بلد مقياس الناس به الألوان!

* * *

أسبوع مرَّ وأسبوعان

وأنا جوعان

جوعان ولا قلب يأبه

عطشان وضنوا بالشُربة

والنيل بعيد

النيل بعيد

الناس عليهم كل جديد

وأنا وحدى...

منكسر الخاطر يوم العيد

تستهزئ بى أنوار الزينة والضوضاء

تستهزئ بى أفكارى المضطربة

وأنا وحدى..

فى عزلة منبوذ هندى

أ تمثل أمى، اخوانى،

والتالى نصف الليل طوال القرآن

فى بلدى

فى بلد اصيحابى النائى

الأعصم خلف البحر وخلف الصحراء

فى بلدى

حيث يعزُ غريب الدار، يُحب الضيف

ويخص بآخر جرعة ماء عز الصيف

بعشا الأطفال

ببليل البشر والإيناس إذا ما رقّ الحال

وأخذت أغنى فى شجو، ألمى ظاهر

يا طير الهجرة..يا طائر

يا طيراً وجهته بلادى

خذنى بالله أنا والله على أهبة

قصت أقدار أجنحتى

وأنا فى زاوية أتوسد أمتعتى

ينحسر الظلُ فأمضى للظل الآخر

* * *

لكن الطير مضى عنى

لم يفهم ما كنت أغنى.

 

 

اللّعنة الجينية 

 اسيا علي موسى

وماذا بعد؟

هاهوالندم يتمدَّدُ على حافة الوريد، يُدخن سيجارته الأولى التي لم تنته منذ سنين، يَنفث دخانَه في خلاياكِ ويَعبثُ بدمكِ، ينفض غبارَ سمومِه ويلعق أظافره التي طالت..للمرة الأولى يفعل، يدس قذاراته في روحك وتنتفخين..

وماذا بعد؟

مرة أخرى تتورطين في ذهول، ترتعبين. طبول الصمت تقرع من جديد ورأسك كبندول يهز أحزان قديمة تسربت في جيناتك ذات قدرِ وحطّت في يدك ورَست على خطوط الجبين.

يعوي العمر، يعوي..

وماذا بعد.

تتعلقين بصبرٍ ويدفعك الصبر إلى صبر، يصدّك جدار الحصون التي بَنَتها أمُّك وجداتك:

"الكاتبة على الجبين ما ينحوها اليدين"

"الصابر ينال"

يُطَوِّحك الإيمان وتجرجرك الحكايا، تعفرك المواعظ..

 تتلوى الصرخات بداخلك كثعابين، وكلما غلبتك دموعك في حضرة "المؤمنين"، جحظت العيون فيك وسارعت إلى زجك في خمّك..تنقنقين.. تسمعين:

" استغفري ربك وتجلدي ".

تنهرك العيون والأنفاس والأيادي وتخرج جهنم لسانها في وجهك وتزمجر.

تمتعضين وتتمنين أن تخرجي لها لسانك أنت أيضا أو تبصقين.

تتمنين أن تطرديهن جميعا، أن تكفري قليلا، أن تلعني القدر. أن تصرخي في وجوهن:

"لماذا أنا تحديدا؟"

لكنها اليد التي تمتد إلى صدرك تخرسك وتنتشلك من سهومك.

تمسكينها، تلثمينها، يباغتك الصوت:

"لماذا تبكين؟"

اللحظة ثقيلة كميراث الدهور، تهربين، وتهربين..للمرة الواهية تفعلين:

"أبدا، لاشيء، أنا بخير،عيني تؤلمني فقط"

يُصرّ الصوت المتشبث بسعادتكِ المفقودة:

"اضحكي كما كنت تفعلين"

تجتهدين في رسم ابتسامة مبللة، تحضنين الجسد المترهّل المحاذي لوجهك، كاتمة جملة تئز بداخلك:

"لا شيء جدير بالضحك بعد الآن"

وتضحكين!

وماذا بعد؟

لم تضحكي حين زفوك إليه ذلك الذي كان قبيحا ولم تحبيه..

ذلك الذي كان يلوي لسانه بآيات يحفظها عن ظهر قلب والذي أمرك بالصلاة ليلة زفافك.

طبعا فعلت ِ..لطالما كنت جبانة، لكنك لم تضحكي يومها، تذكرين طبعا فستانك الأبيض وليلة اغتصابك.. حمراء كانت.... وسوداء كثيرا.

.لم يكن فيها شيء جدير بالضحك مع ذلك اغتُصبت بعدها كثيرا وكنت تبكين!

لكن قلن لك جميعا:

"العِشرة ستحببك فيه وسترينه الأجمل"

العاهرات..لماذا صدقتيهن؟

الندم يغرز أظافره في روحك..أوااااه

لم تضحكي أيضا حين اكتشفت تورط ملاكهم في علاقة حب مع أخرى. لم يغظك ذلك تماما ولم تكن غيرة ما اعترتك. طبعا لم يكن يهمك أساسا أن يرحل أويقعد، أن يعشق أو يتزوج غيرك.

ماكان يغيظك هو أنك اكتشفت حمقك وجبنك مرة أخرى:

" لم أنتبه أنني خنت نفسي كثيرا، فكيف لا يفعل ' الملاك' ذلك»"

ولم تُصلي بعدها ولا تعلمين لماذا كنت تصرين على عدم فعل ذلك..

الندم يصوب أحجاره على كل أضواء روحك، وتغرقين في العتمة.

تتلمسين معالمك..

لاشيء فيك يشي بأنك أنت.

لم تضحكي أبدا..حين سلمك الطبيب نتائج التحاليل:

"محكوم بالموت، لا نملك له شيئا، قد يبلغ مابين العشرين إلى ثلاثين سنة،ستتعطل كل عضلات الجسم رويدا، حتى يصل المرض عضلة القلب والرئتين، عندها النهاية"

الطبيب قذر..هكذا كنت تفكرين.

لكنك تعلمين أنه لا يكذب..تعلمين أنها اللعنة الجينية التي تتشبث بدمك.

"لماذا أنا دونا عن أخواتي أورثتني أمي لعنتها"

لا تخجلك أنانيتك وفظاعتك الآن. للمرة الأولى تريدين أن تكوني أنانية وتفكري في نفسك فقط.

"هزال عضلي، نادرا جدا ما ينتقل المرض من جيل إلى جيل يليه..عادة ينام المرض لأجيال، الشيء الذي لم  يحدث معك..لكنك كنت تعلمين مرض أخيك المتوفى فلماذا لم تجر فحوصا قبل الحمل أو حتى الزواج، عليك أن تجري فحوصات لابنتك قبل الزواج لأنها قد تحمل عنك المرض كما حملتِه عن أمك وستورثه أبناءها الذكور كما ورَّثتِه

 ابنك"

"ماذا فعلتِ مرة أخرى أيتها الحمقاء!؟" تنهرك نفسك.

الندم يقلّم أظافره، يعضك عضا وينهش روحك، ويلقي سيجارته المولعة في دماغك..تشتعلين.

يعوي العمر يعوي..تتلوى بداخلك الثعابين وتسمعين حفيفها، تكادي تصرخين.

تمتد اليد الصغيرة بكشف نقاط إلى وجهك:

"رتبتي الأول، سأكبر وأصبح طبيبا وسأداوي عينيك حتى لا تبكي أبدا"....

 

رواية

زحف النمل

رواية: أمير تاج السر

يراكم الكاتب أمير تاج السر بدأب النمل كتابا بعد كتاب، في عزلة مختارة حيث يقيم ويعمل طبيبا في الدوحة فأصدر: كرمكول 1988، سماء بلون الياقوت 1996، نار الزغاريد 1988، مرايا ساحلية 2000، صيد الحضرمية 2003، سيرة الوجع 2002، عواء المهاجر 2003، مهر الصياح 2005، أحزان كبيرة ( شعر ) 2006.

أعماله السردية الأولي كانت مسكونة بلغة شعرية، ثم كان تقدم السرد الذي بدا بارزا في روايته السابقة مهر الصٌياح التي صدرت عن دار ورد بدمشق عام 2004. مهر الصياح رواية تنتمي بامتياز إلي روح الواقعية السحرية، ففي تلك المتاهة السردية يبني أمير تاج السر سلطنة أنسابة التي يعتمد التفاهم فيها بين السلطان رغد الرشيد وبين رعيته علي الصياح، الرعية تصيح بشكاواها أمام القصر، وتنقل الصيحة إلي السلطان في مجلسه عبر سلسلة من سبعة صجياٌح من خاصة السلطان، الذي يتأمل الشكاية أو المطلب ويطلق حكمه الذي ينتقل إلي صاحب الشكوي عبر الحلقة السباعية ذاتها، وعلي الصائح أن ينتظر يوما أو بعض يوم أو إلي الأبد، لكي يعود إليه الرد، وربما عاد الرد فورا ليأمره بالصياح في العام التالي!

الرواية لايمكن تلخيصها، وعلي الرغم من التراتب الهرمي الظاهري، فإن الشخصيات المتعددة داخلها تتمتع بذات الأهمية التي للسلطان، في شبكة من تقاطعات المصائر تجعل منها متاهة لذيذة تقف علي الحدود بين الواقعي والفانتازي.

وفي زحف النمل الرواية التي ننشر في هذا البستان فصليها الأول والثاني، لايصطنع تاج السر مملكة قديمة، لكنه ينطلق من مملكة الغناء في الواقع، مقدما رحلة صعود مطرب من الحضيض إلي قمة المجد، ثم انحداره الذي جاء علي يد متبرع بكلية زرعت في خاصرة المطرب وأحالت حياته إلي جحيم، من خلال حصار المتبرع الذي أعلن في البداية أنه لايريد إلا الثواب. و بعد أن رفض المقابل المادي لكليته نكتشف أن الثمن الذي يريده كان كل حياة المطرب التي استحالت إلي جحيم، عندما جاء المتبرع مع كل أهل قريته ليقيموا في فيلا المطرب ويحيلوا هدوءها إلي فوضي رثة وصاخبة!

في هذه الرواية يعود أمير تاج السر إلي المجاورة بين السرد والشعر: فبين فقرات السرد المحموم والسريع الإيقاع تأتي الوقفات الشعرية يقدمها الكاتب بوصفها أغنيات المطرب، ونلمح فيها روح السخرية العميقة، التي تحيلنا إلي ما يحدث في عالم الغناء عندما تأتي الشهرة دون سبب قوي.

تنبني هذه الرواية علي مجموعة من المصادفات وكثير من المكر الفني يجعل الأحداث تتلاحق كما في لعبة مثيرة، كما في الحياة!

بدأ الأمر الأشد إيلاما في حياتي كلها ، حين انهرت فجأة في ذلك الحفل الخيري الكبير،الذي أقامته إحدي المؤسسات العامة لدعم أرامل وأيتام قتلي الحرب الأهلية في البلاد والتي تستعر منذ زمن طويل دون أن يفلح ماء السلام المستخلص من شتي التجارب التاريخية والمعاصرة في إطفائها .كان انهيارا تاما ومباغتا، رعشات اليدين والقدمين ،تشوش الذهن ، تسارع دقات القلب العجوز ،خيران العرق الغزيرة التي انبثقت علي الجبين وغياب الذاكرة بعد ذلك لتعود شيئا فشيئا في المستشفي تحت العناية المكثفة،وكان أشد ما آلمني حقيقة بعد ذلك حين تذكرت ما حدث ، هو إنني لم أكمل الأغنية التي كان فيها مقطعا تمثيليا يجسدني راكعا أقبل تراب ذلك المسرح المتسخ ، باعتباره تراب الوطن ، شبعان أتجشأ حموضة قاتلة باعتبارها شبعا ناتجا من اكتفاء الوطن، ثم نازعا عمامتي من رأسي ، ناثرها أمام الناس باعتبارها صناعة وطنية خالصة من صناعات الوطن .وكان يمكن أن أبالغ في ذلك المشهد المثير فأقفز بعمري المديد السنوات إلي معانقة الجماهير في مقاعدها المكسرة والمنتوفة الحبال ، مجسدا عناق الصفوة لعامة الناس، والذي هو العناق المطلوب لأبناء الوطن ، وأن انهياري حدث وأنا أحكي بالضبط عن انهيار ذلك الطاغية البربري الذي أذل شعبنا زمانا .كنت أصف عينيه المذهولتين ، وقلبه المتسارع ، ورعشة يديه وقدميه وعرق جبينه الملتهب ، ثم حدث ما حدث .

لم أكن أبدا من عشاق تلك الحفلات الرخيصة ، الخالية من طعم الفخامة الذي أعتبره ضرورة في إنعاش عاطفة الغناء ، وتطرية الحبال الصوتية حتي ونحن مصابون بأقسي فيروس للأنفلونزا، أعتبر تلك الحفلات نداء كبير الصوت يشد الغوغاء والرجرجة ، وصعاليك المدينة ولصوصها ،يغرسهم في وسط أبرياء جاءوا ليطربوا ويعودوا إلي بيوتهم، ولابد أن ينتهي الأمر بمحفظة تنشل ، أو حريق يشب في صدر غيور ، أو مدية مسننة تنغرس في إمعاء .إضافة إلي أنها كانت دائما بلا مكاسب بدعوي أن مكاسبها قد تسند أرملة فقيرة أو تكفل يتيما أو توفر بعض ضرورات الحياة لأم ثكلي..ومن تجربة لي حدثت في بداية خطواتي في طريق الغناء أن واحدا من كبار لصوص المدينة آنذاك أراد تحيتي في حفل خيري كنت أغني فيه لصالح مرضي ( الدرن ) ، فصعد إلي المسرح في فوضي واتساخ ، انتزع مكبر الصوت من أمام حبالي الصوتية ، صرخ مرددا أغنية عربيدة ،ثم ردد : أنا والفنان (أحمد ذهب ) إخوة في كل شيئ ، وكانت جملته تلك مدخلا فسيحا دخلت عبره الشرطة والتحقيقات الصارمة إلي حياتي ردحا من الزمان قبل أن تخرج .

اعتذرت بشدة حين أخبروني عن حفل الخير ذلك .. تعللت بارتباطات أخري لم تكن موجودة حقيقة، واعتذرت بغضب حين ألحوا وبثوا إلي هاتفي مئات الأصوات التي كان بعضها ناعما يغازلني وبعضها خشنا يهدد ويتوعد ، وبعضها أهوج يحلف بالطلاق ثلاثا ، لكنني رضخت أخيرا حين أرسلوا لي ماسح الأحذية ( أكوي شاويش ) .

لا أدري كيف اهتدي أولئك المنظمون إلي أكوي شاويش ، ماسح الأحذية الجنوبي الذي فقدت آثاره منذ سنوات طويلة ، ولم أكن أظنه موجودا حتي تلك اللحظة علي سطح الحياة .لا أدري من أين استخلصوه ، وكيف عرفوا بذلك الوعد الذي وعدته به منذ أربعين عاما أن أغني في عرسه متي ما أراد مني ذلك .كنت مغمورا في ذلك الوقت ، وكنت قادما إلي العاصمة من ريف بعيد وأمي ، أحمل صوتا مزركشا ، وعودا بدائي الصنع ، وأحلام مزارع متهيج الحواس ، يعتقد جازما بأنه سلطان الطرب الذي جاء ليجلس علي عرش الغناء الذي ظل في رأ&#